سيد محمد طنطاوي

345

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إنما ذلكم المثبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان ، الذي يوسوس في قلوبكم بالشر بذاته ، أو بواسطة أتباعه الضالين ، ومن شأن المؤمنين الصادقين أنهم لا يتأثرون بهذه الوساوس الكاذبة ، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف الإيمان . وقوله * ( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَه ) * أي يخوف أولياءه المنافقين وضعفاء الإيمان ليقعدوا عن مقاتلة المشركين . أما أنتم أيها المؤمنون الصادقون فإنكم لن يقعدكم تخويفه ، لأن هذا التخويف لا أثر له في قلب من آمن باللَّه حق الإيمان ، واتقاه حق تقاته . وقيل إن معنى * ( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَه ) * يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول وحذف الجار . كما في قوله : فَإِذا خِفْتِ عَلَيْه فَأَلْقِيه فِي الْيَمِّ أي فإذا خفت عليه فرعون . فحذف المفعول . وكما في قوله : لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ أي لينذركم يوم التلاقي . وقيل إن المعنى : يخوفكم أولياءه فحذف المفعول الأول كما تقول : أعطيت الأموال ، أي أعطيت القوم الأموال . وقوله * ( فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * أي فلا تخافوا أولياء الشيطان ، بل اجعلوا خوفكم منى وحدي ، إن كنتم مؤمنين حقا . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم ، وتقويتهم ، وإلهاب شعورهم ، إذ الإيمان الحق يستلزم الخوف من اللَّه دون سواه . والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسي : النهى عن أسبابه التي من أهمها حب الدنيا وكراهية الموت أي خذوا بأسباب القوة التي من أهمها التمسك بتقوى اللَّه فإن ذلك يزيل الخوف من قلوبكم . وفي المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان ، وبين الأمر بأن يكون خوفهم من اللَّه وحده ، في هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذي يزيل الخوف والفزع من نفوسهم . لأن الذي يجعل خشيته وخوفه من اللَّه وحده لن يستطيع الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم وصدق اللَّه إذ يقول : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعلى الدرجات ، وصرحت بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون . كما أثنت ثناء مستطابا على الذين لبوا دعوة رسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حين دعاهم إلى الجهاد في سبيل اللَّه ، ولم يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح ، أو ما قاله لهم المرجفون من أقوال باطلة ، فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم . ثم أخذ القرآن في تسلية النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما يراه من كفر الكافرين . وعناد المعاندين ، وفي بيان أن